تناقش الكاتبة سمر الجمال في مستهل التقرير التحولات المعقدة في العلاقة المصرية السورية بعد زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى العاصمة الإدارية الجديدة، في أول زيارة رسمية لمسؤول سوري رفيع منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024. وتعكس الزيارة، وفق القراءة المصرية، اختبارًا سياسيًا حذرًا أكثر من كونها مصالحة كاملة، إذ تتحرك القاهرة داخل “منطقة رمادية” تجمع بين القلق الأمني والرغبة في الاستفادة من الفرص الاقتصادية التي تطرحها سوريا الجديدة.

 

 تشير المنصة إلى أن القاهرة لم تعد قادرة على تجاهل التحولات السورية، خصوصًا مع تسارع الانفتاح الإقليمي والدولي على دمشق، وسط صراعات تعيد تشكيل الشرق الأوسط، أبرزها الحرب الأميركية الإيرانية، والتوسع الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، والتنافس التركي الخليجي على النفوذ.


القاهرة تختبر دمشق الجديدة بحذر


تعاملت مصر مع زيارة الشيباني باعتبارها خطوة استطلاعية تهدف إلى قياس حدود التقارب الممكن، لا إعلان تحالف جديد. وأكدت مصادر دبلوماسية أن الاتصالات بين وزيري خارجية البلدين استمرت منذ شهور، وأن اختيار توقيت الزيارة جاء بعد مشاورات مطولة داخل القاهرة.


وترتبط التحفظات المصرية بخلفية النظام السوري الجديد، خاصة مع ارتباط بعض قياداته السابقة بتيارات إسلامية. كما ترى المؤسسات الأمنية المصرية أن انهيار الدولة السورية خلال سنوات الحرب شكّل نموذجًا خطيرًا للفوضى المسلحة التي تخشى القاهرة انتقالها إلى دول الجوار، وعلى رأسها ليبيا والسودان.


ورغم ذلك، تدرك مصر أن معظم القوى الإقليمية والدولية بدأت بالفعل إعادة تموضعها تجاه دمشق، بما في ذلك روسيا وتركيا ودول الخليج، الأمر الذي دفع القاهرة إلى تبني مقاربة “الخطوة مقابل الخطوة” بدل سياسة القطيعة.


الاقتصاد يقود التقارب المصري السوري


برز الاقتصاد باعتباره المدخل الأكثر أمانًا للتقارب بين البلدين. وشارك وزير الصناعة المصري ووزير الاقتصاد السوري في جلسة موسعة ناقشت تأسيس مجلس أعمال مصري سوري بهدف تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بعيدًا عن التعقيدات السياسية.


وسارعت دمشق إلى إعلان تشكيل الجانب السوري من المجلس عقب انتهاء الزيارة، في محاولة لترسيخ التعاون الاقتصادي بصورة مؤسسية تشبه مسار المصالحة التدريجية بين مصر وتركيا خلال السنوات الماضية.


وتراهن سوريا الجديدة على جذب الاستثمارات لإعادة الإعمار بعد رفع العقوبات الدولية وإقرار إصلاحات اقتصادية واسعة. وتشير التقديرات إلى تدفق استثمارات تجاوزت 28 مليار دولار خلال الأشهر الأولى من حكم أحمد الشرع، بدعم خليجي وتركي واضح، مع اهتمام مصري متزايد بقطاعات العقارات والسياحة والبنية التحتية.


وترى حكومة السيسي أن الانخراط الاقتصادي يمنحها فرصة للحفاظ على حضورها داخل الملف السوري، خصوصًا مع توسع نفوذ أنقرة وأبوظبي والرياض في دمشق.


هواجس الإرهاب والصراع الإقليمي


رغم هذا الانفتاح، ما تزال الملفات الأمنية تشكل العقبة الأبرز أمام تطبيع كامل للعلاقات. وتخشى القاهرة من عودة المقاتلين المصريين الموجودين في سوريا، والذين انضم بعضهم سابقًا إلى تنظيمات مثل جبهة النصرة وداعش.


كما أبدت مصر تحفظات على بعض الترشيحات الدبلوماسية السورية بسبب ارتباط أصحابها بجماعات إسلامية، وهو ما أبقى مستوى التمثيل الدبلوماسي محدودًا حتى الآن.


وتتزايد المخاوف المصرية مع تصاعد التوتر الإقليمي بين إسرائيل وتركيا وإيران، إذ ترى القاهرة أن دمشق الجديدة قد تتحول إلى ساحة صراع مفتوح بين هذه القوى. ويعتقد مسؤولون مصريون أن أي انتصار إيراني في المواجهة الحالية قد يهدد استقرار السلطة السورية الجديدة ويعيد خلط الأوراق داخل البلاد.


وفي المقابل، تحاول دمشق طمأنة القاهرة عبر التأكيد أن الأراضي السورية لن تتحول إلى منصة تهدد الأمن المصري، لكن المؤسسة الأمنية المصرية ما تزال تتعامل بحذر شديد مع هذه التعهدات.


وفي المحصلة، تكشف زيارة الشيباني أن العلاقات المصرية السورية دخلت مرحلة جديدة عنوانها “التقارب الحذر”. فلا حكومة السيسي مستعدة لعلاقة تحالف كاملة، ولا دمشق قادرة على تجاهل الثقل المصري داخل المعادلة العربية. وبين المصالح الاقتصادية والهواجس الأمنية، تستمر القاهرة في قراءة ملامح دمشق الجديدة بعين واقعية لا تخلو من الشك.

 

https://manassa.news/en/stories/31874